هل تكفي المهارات الإدارية لبناء فريق عمل ناجح؟ أم أن هناك ما نغفل عنه؟

Posted by

·

ماذا لو دخل مدير الموارد البشرية في واحدة من أشهر شركات صناعة السيارات إلى اجتماع فريقه، ثم عرض عليهم الخطة التدريبية للعام القادم، فكانت كالتالي:

  • كيف تحترف التخطيط الاستراتيجي؟
  • كيف تتخلص من أمراض القلوب؟
  • كيف تكتسب فن إدارة فريق العمل؟
  • كيف تعمل بصدق وإخلاص؟
  • كيف تكتسب مهارات النقد البنّاء؟

ربما سيكون رد الفعل الأول: ما علاقة هذه العناوين ببعضها؟

التخطيط وإدارة الفرق والنقد البنّاء مهارات إدارية مفهومة في بيئة العمل، لكن ماذا عن الإخلاص؟ وماذا عن أمراض القلوب وتزكية النفس؟ ما علاقة كل ذلك بأداء شركة أو مؤسسة أو فريق عمل؟

لكن قبل أن نستبعد الفكرة، دعونا نسأل سؤالًا آخر:

كم مرة واجهنا مشكلة داخل فريق العمل لم يكن سببها نقص المهارة أصلًا؟

موظف يعرف تمامًا ما المطلوب منه، لكنه يريد أن يُنسب الإنجاز إليه وحده.

مدير يمتلك مهارات القيادة، لكنه يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه.

عضو فريق يرفض فكرة زميله، لا لأنها سيئة، وإنما لأن الفكرة لم تأتِ منه.

خلاف بسيط يتحول إلى أزمة، لأن أحد الأطراف يريد الانتصار لنفسه أكثر من رغبته في الوصول إلى القرار الأفضل.

ومشروع تتعثر بعض خطواته لأن المصلحة الشخصية بدأت تتقدم شيئًا فشيئًا على مصلحة الفريق.

هنا قد لا تكون المشكلة في المهارة، بل في شيء أعمق: الإنسان الذي يستخدم هذه المهارة.

هل ندرب المهارة وننسى الإنسان؟

نحن ننفق الكثير في المؤسسات على تطوير مهارات الموظفين: القيادة، التواصل، إدارة الوقت، حل المشكلات، التخطيط، اتخاذ القرار وغيرها.

وهذا مهم بلا شك.

لكن ماذا لو كان الموظف بارعًا في التواصل، بينما يستخدم هذه البراعة ليظهر نفسه؟

وماذا لو تعلم المدير أدوات القيادة، لكنه لم يتعلم كيف يجاهد حب السيطرة؟

وماذا لو أتقن الفريق مهارات تقديم التغذية الراجعة، بينما لم يتعلم أفراده كيف يتعاملون مع الحسد أو الغضب أو حب الظهور أو الانتصار للنفس؟

هنا نصل إلى فكرة مهمة استوقفتني أثناء قراءة كتاب «الترياق»: أحيانًا ننشغل بمعالجة أعراض المشكلة بدل الوصول إلى جذورها.

فالكتاب يشبّه ذلك بالطبيب الذي ينشغل بعلاج الصداع، بينما الصداع ليس المرض نفسه وإنما عَرَض له؛ وإذا بقي السبب الحقيقي، ستبقى الأدوية كثيرة والنتائج محدودة.

والفكرة نفسها تستحق أن ننظر إليها إداريًا، ربما تكون كثرة الخلافات داخل الفريق هي العَرَض، لكن المشكلة الأعمق هي الأنا.

وربما يكون ضعف التعاون هو العرض، بينما المشكلة هي حب الظهور، وربما يكون ضعف المبادرة هو العرض، بينما المشكلة الحقيقية غياب الشعور بالمسؤولية أو ضعف الارتباط بالغاية التي يعمل الفريق من أجلها، ولهذا فإن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء مهاراته.

تزكية النفس ليست بديلًا عن التدريب الإداري

وهنا من المهم ألا نفكر أن المطلوب أن يستقيل المهندس والطبيب والمدير من وظائفهم ليتفرغوا لدراسة العلوم الشرعية، وليس المقصود أن نستبدل التدريب المهني بالتدريب الإيماني، بل أن يمتلك الإنسان، إلى جانب تخصصه ومهاراته المهنية، قدرًا من الوعي بقلبه ونفسه ودوافعه.

أن يعرف كيف يسأل نفسه:

لماذا أفعل هذا؟

هل أريد نجاح العمل فعلًا، أم نجاح اسمي داخله؟

هل اعتراضي مهني أم شخصي؟

هل رفضت هذه الفكرة لأنها غير مناسبة، أم لأن شخصًا آخر اقترحها؟

هل أريد مصلحة الفريق، أم أريد أن أثبت أنني كنت على حق؟

وهذا المعنى حاضر بقوة في الترياق عندما يطرح على الإنسان سؤالًا شديد العمق عن دافع سعيه: أهو الإنجاز، أم الشهرة والجاه، أم الله ورضاه؟

بالنسبة للمسلم، هذه ليست أسئلة تطوير ذات فقط؛ إنها جزء من رحلة الإنسان إلى الله، فالغاية النهائية ليست أن أصبح موظفًا أكثر كفاءة وحسب، بل أن أعمل وأتقن وأقود وأتعامل مع الآخرين بطريقة ترضي الله سبحانه وتعالى.

من تزكية النفس إلى «قياس الغاية»

وهنا وجدت تقاطعًا جميلًا بين مفهوم إيماني ومفهوم إداري حديث كنت قد تناولته سابقًا في بحثي حول قياس الأثر الاجتماعي: Purpose Measurement Framework — إطار قياس الغاية.

جوهر الفكرة بسيط:

لا يكفي أن تعمل المؤسسة كثيرًا؛ يجب أن تعرف لماذا تعمل، وأن تتأكد باستمرار أن ما تفعله يقودها فعلًا نحو الغاية التي وُجدت من أجلها.

ويتضمن إطار قياس الغاية أربعة أبعاد مهمة:

التوضيح Articulation:
هل يفهم أعضاء الفريق المشكلة التي نحاول حلها؟ وهل يعرف كل فرد دوره فيها؟

الإلهام Inspiration:
هل الغاية التي نعمل من أجلها قادرة على تحريك الفريق وإشعاره بأن ما يفعله ذو معنى؟

التكامل Integration:
هل الأنشطة والقرارات والمشاريع التي نقوم بها مرتبطة فعلًا برؤية المؤسسة وأهدافها، أم أننا أصبحنا مشغولين بالعمل من أجل العمل؟

الاعتراف Recognition:
هل أصبحت قيمة ما تقوم به المؤسسة واضحة ومعترفًا بها خارج حدودها؟

وهنا يأتي السؤال الذي أراه أكثر إثارة:

ماذا لو طبقنا الفكرة نفسها على الإنسان؟

إذا كانت المؤسسة تحتاج باستمرار إلى العودة إلى Purpose — الغاية التي أنشئت من أجلها — ألا يحتاج الإنسان أيضًا إلى العودة باستمرار إلى غايته؟

المسلم أيضًا يحتاج إلى مراجعة الـPurpose أو الغاية

في الإدارة نسأل:

هل هذا المشروع يخدم رؤيتنا؟

وفي تزكية النفس يمكن أن أسأل:

هل هذا العمل يخدم الغاية التي أريد أن ألقى الله عليها؟

في المؤسسة نسأل:

لماذا بدأنا هذا المشروع أصلًا؟

وفي حياتي أسأل:

لماذا بدأت هذا العمل أصلًا؟ وما نيتي فيه؟

وفي المؤسسة قد نكتشف أننا انشغلنا بالأنشطة حتى نسينا الغاية.

وفي حياتنا قد يحدث الأمر نفسه: ننشغل بالإنجاز، والترقية، والشهادة، والمنصب، وعدد المتابعين، وحجم المؤسسة… ثم ننسى أن نسأل أنفسنا:

لمن كان كل هذا؟

وهنا تصبح النية أشبه ببوصلة داخلية تعيد توجيه الإنسان كلما ابتعد عن غايته.

ليس معنى ذلك أن المسلم لا يسعى للنجاح أو الترقية أو الربح أو التميز؛ وإنما ألا تتحول هذه الأشياء من وسائل إلى غايات نهائية.

وربما نحتاج إلى إعادة التفكير في برامج تدريب فرقنا

ربما لا ينبغي أن تقتصر خطة تطوير الفريق على:

التخطيط الاستراتيجي، إدارة المشاريع، القيادة، التواصل، وإدارة الوقت.

ربما نحتاج أيضًا — خصوصًا في المؤسسات التي تنطلق من مرجعية إسلامية — إلى مساحة نتعلم فيها:

كيف نراجع نياتنا؟

كيف نتعامل مع حب الظهور؟

كيف نفرّق بين النقد الذي نريده لمصلحة العمل والنقد الذي تحركه النفس؟

كيف نتعلم التجرد للفكرة الأفضل حتى عندما لا تكون فكرتنا؟

كيف نفرح بإنجاز زميل كما نفرح بإنجازنا؟

وكيف نختلف دون أن تتحول القضية من البحث عن الحق إلى الانتصار للنفس؟

واللافت أن الترياق نفسه لا يحصر البحث عن العيوب في الفرد؛ بل ينتقل إلى الجماعة، ويتحدث عن مشكلات العلاقات والثقة، وغياب الأهداف الواضحة والرؤية، ومسؤولية القائد، والتسلط وضعف الشورى.

وهذا يجعل تزكية النفس، من هذه الزاوية، ليست قضية فردية منعزلة تمامًا عن الإدارة؛ لأن قلوب الأفراد وسلوكياتهم هي التي تصنع في النهاية ثقافة المؤسسة.

قبل أن ندرب المهارة… لندرب الإنسان

ربما يحتاج فريق العمل إلى دورة متقدمة في التخطيط الاستراتيجي.

وربما يحتاج إلى نظام أفضل لإدارة الأداء.

وربما يحتاج إلى أدوات أكثر احترافية في التواصل وإدارة المشاريع.

لكن أحيانًا، قبل أن نضيف أداة جديدة، علينا أن نسأل:

هل المشكلة فعلًا في الأدوات؟ أم في الإنسان الذي يستخدمها؟

لأن بعض مشكلات المؤسسات لا تُحل بإضافة مهارة جديدة، بل بإصلاح الدافع الذي يحرك المهارة الموجودة أصلًا.

أهلا بك في موقعي الالكتروني!

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

أهلا بك في موقعي الالكتروني!

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن الكاتب

مرحباً، أنا آلاء خضر مدربة وكاتبة في مجال إدارة الأعمال وناشطة اجتماعية، أسعى لمساعدة النساء والفتيات نحو عالم التميز والريادة والأثر.